الجزائر الجديدة

مثقفون ينعون رحيل الكاتب والصحفي مرزاق بقطاش

رحل الكاتب والصحفي مرزاق بقطاش صاحب رواية “طيور الظهيرة” في ثاني يوم من أيام السنة الجديدة عن عمر يناهز الـ75 سنة بعد صراع مع المرض حسب ما تواتر خبره من أقربائه.
خليل عدة
 
وولد الراحل بقطاش في 13 جوان 1945 بالجزائر العاصمة وبدأ مشواره الكتابي كصحافي في 1962 بوكالة الأنباء الجزائرية وعدد من الصحف والجرائد العربية والفرنسية وخلف عدة مؤلفات وروايات وقصص باللغتين العربية والفرنسية ومن بينها “طيور الظهيرة” و”رقصة في الهواء الطلق” و”جراد البحر” و”بقايا قرصان”. وقد تعرض في 1993 إلى محاولة اغتيال من قبل جماعة ظلامية قيل أنها إرهابية حيث أصيب برصاصة في رأسه ونجا منها بأعجوبة.
وقد تم يوم الأحد تشييع جنازته بعد صلاة الظهر بمقبرة القطار بالجزائر العاصمة.
وزيرة الثقافة ووزير الاتصال يكتبان بيان تعزية
من جهتها كتبت مليكة بن دودة أستاذة الفلسفة ووزيرة الثقافة “بقطاش إلى الخلود، كاتب المحروسة في ذمة اللّه، بكثير من الألم استقبلنا فاجعة وفاة الكاتب الجزائري الكبير، مرزاق، بقطاش صاحب الإنتاج الأدبيّ الِاستثنائيّ بثيماته وشخوصه، يرحل عنّا بعد سنوات من العطاء في الكتابة والتّرجمة، وبعد مشوار في الصّحافة والصحافة الثّقافِيّة. استطاع بقطاش أن يسجل حضورا مختلفا في الثمانينيات من القرن الماضي، وفاجأ المشهد العربيّ بوعيه الكبير بالكتابة السردية وسيبقى خالدا بأعماله الكبيرة “كوزة” و”الموسم والبحر” و”دم الغزال” و”خويا دحمان” و”المطر يكتب سيرته” وغيرها من تحفه المتقنة.
بقطاش المكافح الذي صنع اسمه وكوّن شخصيّته العميقة عصاميا، تفرّد في حياته بحضور العظماء المترفعين، وعاش تجارب قاسية لم تغير من توجهاته وأصالته”.
وزير الإتصال بلحيمر يعزي في وفاة الكاتب الصحفي مرزاق بقطاش، حيث جاء في صفحة فايسبوك لوزارة الإتصال “ببالغ الحزن والأسى، تلقى وزير الإتصال، الناطق الرسمي للحكومة  عمار بلحيمر نبأ وفاة الكاتب والصحفي مرزاق بقطاش الذي وافته المنية يوم السبت 2 جانفي عن عمر ناهز 75 سنة. الفقيد بدأ مشواره الصحفي عام 1962، وظل يساهم بعدد من المقالات والكتابات الصحفية في عدد من الصّحف والجرائد العربية والفرنسية، منها، الوطن، الشعب والمجاهد وغيرها. كما عمل أيضًا في وكالة الأنباء الجزائرية، وكان عضوًا في المجلس الأعلى للإعلام، وعضوًا في المجلس الأعلى للّغة العربية، ثم عضوًا في المجلس الأعلى للتّربية، وممثلاً للصّحافة المكتوبة وعضوًا في المجلس الاستشاري الوطني الذّي أسّسه الرّئيس السابق عام 1992. في المجال الروائي، له رصيد كبيرمن الروايات والقصص باللغتين العربية والفرنسية. وأمام هذا المصاب الجلل، يتقدم وزير الإتصال بأخلص عبارات التعازي وأصدق المواساة لعائلة الفقيد وللأسرة الإعلامية كافة، راجيا من الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته وغفرانه ويلهم أهله وذويه جميل الصبر والسلوان وإنا إليه راجعون”.
شهادات لمقربين من بقطاش
الناقد والأكاديمي مخلوف عامر يقول، مرزاق بقطاش هو  كاتب ظل على بعد مسافات، من الأضواء والحضور شبه اليومي الذي يصر عليه الكثير من الكُتاب، كما ظل بعيدا عن الضجيج وعن مآدب الملتقيات والمهرجانات والمؤتمرات، ونادرا ما يسجل حضوره في مناسبة أدبية أو ثقافية. يفضل أن يشتغل في صمت، وأن ينشر أعماله بكثير من الهدوء. ويضيف مخلوف “إنه الكاتب الذي واكب تحولات الجزائر وعرفها، وأبى إلا أن يجرد قلمه ليستخلص من المؤقت الزائل ما يمكث في الأرض، وهو لم يتنصَّل يوما من كتاباته في السياسة والفكر أو يتنكَّر للواقع، بل إن ذلك كله يقع في صلب أعماله”.
كما قال عنه الأستاذ سعيد بوطاجين “بقطاش نموذج فعلي للمثقف، للأخلاق والتواضع واحترام الذات والكرامة البشرية. إنه مرجع حقيقي، سواء اتفقنا معه في طريقته السردية أو لم نتفق، لكنه سيظل دائما قيمة لا يمكن تجاوزها في المشهد الأدبي والثقافي في الجزائر”. مضيفا بأن له معرفة موسوعية لافتة، متشعبة ودقيقة وممنهجة وعقلانية، لكنه لا يحب الظهور كثيرا، وقد يعود ذلك إلى السياق الثقافي العام الذي يشهده البلد، وإلى هذا الخلط الكبير في ظل انهيار القيم الفنية والجمالية وهيمنة الزيف والجماعات الضاغطة التي مسخت الثقافة والكتابة وأصبحت المبتدأ والخبر”.
من جهته الكاتب والباحث محمد مفلاح، يؤكد على أن بقطاش يُعد من المثقفين المتصوفة الذين آمنوا بالكلمة الصادقة وخدموها بإخلاص وتحملوا مشاقها بصبر كبير. أما القاص والناقد مصطفى فاسي، فيقول عن الراحل بأنه يؤمن بأن الكتابة الإبداعية ينبغي أن تنبع من حياة الأديب وتجربته ومن محيطه الذي يعرفه جيدا وقد جاءت أعماله معبرة عن هذا الإطار.
كتب الشاعر أزراج عمر  على صفحة فايسبوكه، فور سماعه الخبر “بحزن بالغ وألم شديد تناهى إلي في ديار الغربة ببريطانيا خبر وفاة صديقي العزيز الأديب البارز بقطاش مرزواق الذي تميزت حياته على هذه الأرض بالخير والعمل الطيب والأخلاق العالية، وبوفاة الأخ العزيز بقطاش نكون قد فقدنا واحدا من الوطنيين المخلصين. وأتقدم إلى الساحة الأدبية والثقافية الجزائرية وإلى أسرته وأهله ومحبيه بتعازي الخالصة وأرجو من الله أن يسكنه فسيح جناته”.
ونعى الكاتب والمترجم الدكتور عبد العزيز بوباكير الراحل مرزاق بقطاش في منشور على حسابه على موقع فايسبوك جاء فيه “وداعا مرزاق، قلّما تجد جزائريا تآلف فيه الإسلام والعربية والأمازيغية، وتساكنت فيه اللغات مثل مرزاق بقطاش”. من جهته كتب يزيد بوعنان “الكاتب والروائي والمترجم والمثقف الجزائري الأصيل والكبير مرزاق بقطاش في ذمة الله، وهكذا تفقد بلادنا قلما نيرا من أقلامها ومثقفا كبيرا ترك بصمات واضحة في الساحة الثقافية الجزائرية. وفاته ستترك في الساحة الثقافية الجادة فراغا يصعب تعويضه. رحمه الله وأسكنه واسع جناته”، وكتبت ربيعة جلطي على صفحتها الفيسبوكية “وداعا مرزاق بقطاش، حزينة أنا لرحيلك أيها الأديب الحكيم، أيها المثقف الموسوعي إلى رحمة الرحمن”، ووكتب الزاوي أمين باللغات الثلاث المازيغية والعربية والفرنسية “وداعا الكاتب الحقيقي، وداعا أيها الإنساني بلا ضفاف، وداعا صديقي بقطاش مرزوق. هذا المساء القلم يتيم بعدك!”.
كلمة عن الكاتب الراحل مرزاق بقطاش
الأديب، القاص، الروائي، الصحفي، المترجم، وكاتب السيناريو، وكاتب المسرح، وعاشق اللغة العربية والمنتصر والمنحاز لها، من خلال إصراره الدائم على الكتابة والإبداع بها رغم إجادته وإتقانه لعدة لغات. وقد سبق لمرزاق بقطاش أن فاز بجائزة آسيا جبار للرواية في دورتها الثالثة في 2017، المسابقة التي كان في وقت سابق رئيس لجنة التحكيم فبها، وفاز وقتها بالجائزة في فرع الرواية العربية عن روايته “المطر يكتب سيرته” الصادرة عن مؤسسة أناب.
هذا الأديب هو حلقة وصل ما بين جيل الستينيات وجيل السبعينيات، الجيل الأول الذي مثله الطاهر وطار وبن هدوقة ورشيد بوجدرة، والجيل الثاني الذي مثلته أقلام كثيرة، ومن هؤلاء: إبراهيم سعدي، الحبيب السائح، الأعرج واسيني، الأمين الزاوي، عبد العزيز بوشفيرات، محمد الصالح حرز الله، محمد مفلاح، جيلالي خلاص، الشريف الأدرع، وغيرهم من التجارب التي تبوأت في فترة كانت لها سياقاتها وخصوصياتها.
بقطاش الشغوف باللغة العربية
وحسب موقع المعرفة، يعتبر مرزاق بقطاش مدافعا قويّا عن  اللّغة العربية، ويحبّ استعمال الكنايات والاستعارات والمجازات، ويحلو له اللّعب مع الكلمة الجميلة ومسايرتها كلعبه بنوتات البيانو، في هذا المقام، تذكرت مقولة لجول رونارد يقول فيها “كلمة جميلة أحسن بكثير من كتاب ضعيف”، وعن علاقته وارتباطه بالكلمة، يقول “عليّ القول أنّني أحبّ كلّ اللّغات التّي أتقنها: اللّغة المازيغية القبائلية، لغتي الأمّ، واللّغة العربية الكلاسيكية، والفرنسية والإنجليزية. أنا مولع باللّغة العربية في المقام الأوّل، لأنّها هي أساسًا كلّ ما تربطني بالثّقافة الإسلامية العظيمة والدّين والأدب الكلاسيكي. هذا يسمح لي القول بأنّ الكلمة في حدّ ذاتها تشكّل المضمون نفسه، إنّها الحالة النّفسية للحيّز الجغرافي الذّي طورته على عتبة بابه. تكفيني كلمة واحدة، إيقاع واحد منها لأنشئ قصيدة نثرية أو قصّة أو رواية. أنا في الأساس شخص كان يعطي دائمًا الأولوية للكلمة ولهذا السّبب فأنا شغوف بكلّ المخطوطات أو بكلّ ما هو خطّي. إن صحّ التعبير، فأنا طفل ينتمي إلى حضارة خاصة، إلى حضارة انقرضت منذ أكثر من ألف سنة، إلى تلك الحضارة التّي منحت لغتها المكانة الأولى والأخيرة في مجال التّعبير الفنّي والأدبي”.
أعماله في المجال الرّوائي، كتب بقطاش الكثير من الرّوايات والقصص سواء باللّغة العربية أو الفرنسية، ومن بين مؤلفاته،طيور الظهيرة، رقصة في الهواء الطلق، جراد البحر، عزوز دحمان، بقايا قرصان، دار الزّليج، دم الغزال، مومس البحر، الرطب واليابس، جاحظيات، وداعاً بسمة، أغنية البعث والموت، الفيرا.
آراء بقطاش السياسية
وفيما يتعلّق بالدّيمقراطية في الجزائر وفي مختلف الأحزاب المتواجدة في الجزائر ودورها على السّاحة السّياسية، وكذا عن حقيقة الخطاب السّياسي الجزائري وعن حرية التّعبير، قال “الدّيقراطية هي في المقام الأوّل نوع من البستنة، و لابدّ من القيام بالحفر، والحرث، والسّقي، والقيام بالتّعشيب المتواصل. وهذا ما لا يوجد عندنا لحدّ الآن. إنّ أيّ حزب سياسي ليس إلاّ جملة من الأفكار والمشاريع ذات أهداف معيّنة. هناك نوع منها ما هو يساري وما هو يميني لكن هذا غير كاف. كما أنّ أغلب الشّباب السّياسيين يقومون بالمغالاة لا غير”.
أما في موضوع حرية التّعبير، فيقول “أعتقد أنّ اللّعبة السّياسية قامت على أساسها منذ سنوات التسعين. هذه الحرية في التّعبير هي أمر حقيقي، لأنّ الصّحافيين على غرار التّجمعات والرّابطات الاجتماعية الأخرى دفعوا الثّمن غاليًا، أوّلاً بدمائهم وكذلك بشجاعتهم وثمّ بمثابرتهم، ولا مجال للرّجوع إلى الوراء في هذا الميدان”.
Exit mobile version