ثقافة

للكاتب حميد عبد القادر.. قراءة في كتاب “الرواية مملكة هذا العصر”

يقول حميد عبد القادر في كتابه الموسوم بالرواية مملكة هذا العصر في الصفحة 134 :” الرواية جنس أدبي مسكون بالألم، يعكس أوضاع تراجيدية، يذهب إليها المبدع، المهووس بحياة لائقة للبشر”. استرعت انتباهي هذه الجملة الملفتة لأنها تكاد تلخص فحوى الكتاب بصفة عامة، ولو أن فكرة تلخيصه تكاد تكون شبه مستحيلة وصعبة جدا، نظرا لكون كاتبه ليس شخصا عاديا وإنما كاتبا موسوعيا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بالرغم أنني أعد نفسي قارئة، إلا أنني في هذا الكتاب اكتشفت عكس ذلك لأنني قرأت ما كتبه عن كتب لم يسبق لي الإطلاع عليها.
سارة سليم
صدقا أقول أن حميد عبد القادر لا يكتب لأن هناك رغبة ملحة دفعته لذلك، بل يكتب لأنه ممتلىء بأشياء يجب أن تقال. كاتب مثقف وأأسف على قول هذا، فليس كل من يكتب يمتلك الموهبة والكم المعرفي الذي يؤهله لفعل الكتابة.
لنعد للكتاب؛،تحدث في مستهل هذه الدراسة الشاملة والوافية من وجهة نظري (كوني اطلعت على عديد الكتب العربية في هذا المجال) عن راهن الرواية الجزائرية من خلال حواره مع الروائي الجزائري جيلالي خلاص حولها، حيث وصفها في الصفحة 13 بأنها نزلت متأخرة إلى عالم الإنسان وهمومه، وصف  الأدب هو الآخر  في الصفحة ذاتها قائلا “تأخر أدبنا عن التحول لأدب إنساني، وبقي لفترة طويلة أدبا أيدولوجيا يهتم بالعام والشامل على حساب التفرد والخصوصية والمأساة الإنسانية”.
تطرق أيضا إلى كتاب الجيل الجديد الذين رفضوا فكرة البطل النموذج على حد تعبيره منذ مطلع التسعينيات فراحوا يكتبون معاناتهم وآلامهم خدمة لأنفسهم وللأدب الذي يجعل من الحياة مادة دسمة. كما قال أنهم ألقوا كل الايديولوجيات على قارعة الطريق على حد تعبير فيصل دراج كما ذكرها الكاتب. قال كذلك “لقد نقل هؤلاء الروائيون الجدد “البطولة” من الروائي البطل إلى بشر عاديين بطولتهم الوحيدة البقاء في الحياة والتشبث بها وسط القسوة والمعاناة”. تحدث عن الرواية الجديدة التي أسس لها فلوبير بفرنسا بعد قرن وظهور ما يسمى بالأدب الملتزم سياسيا نتيجة تدهور الوضع البشري، تناول موضوع الرواية والأيديولوجية، ذكر الناقد شارل بون وما كتبه في كتابه الموسوم بالرواية الوطنية والأيديولوجية في الجزائر. أشار أن الرواية بالجزائر أعادتنا لعقلية الحزب الواحد والرأي الواحد (يمكنكم العودة للكتاب الصفحة  19 لتفهموا جيدا كان يرمي إليه الكاتب). لم ينس ذكر الرواية إبان الثورة والتحديات التي اتخذتها آنذاك.
ذكر في الصفحة 21 نموذج عن الإنسانية في كتابات الروائي الجزائري الكبير رشيد  بوجدرة في روايته التفكك، بخلاف وطار فهو لم يعتمد التصور الإنساني للرواية الذي يرفض النظرة الطبقية، تحدث في 23 عن الرواية ومتعة المزواجة بين الواقع والمتخيل وذكر مثاله عن ذلك روايته توابل المدينة، التي استوحى بعض ملامح شخصية بطلها سعيد سكندر من جده سعدي عبد القادر.
أعجبني جدا وصفه للروائي بالمؤرخ الفضولي، يقول في الصفحة 25 “شخصيات الرواية تأتي من الهامش والهامش هو الذي يعطي التراجيديا حبكتها”، كما قال أن النقد يعاني أزمة وذكر أمثلة عن ذلك رواية قرأها (العودة إلى الصفحة 26). قال كذلك أن المدن هي من تؤثث للروايات، ذكر مثالا عن ذلك المعذبون في الأرض لفرانس فانون وعتبات المتاهة لأحمد عبد الكريم التي حردت ذاكرة مقهى “اللوتس” على حد تعبير الكاتب، ذكر أيضا رواية ذاكرة الجنون والانتحار لحميدة العياشي. تحدث عن ما يعرف بكتابة “البست سلر” التي تصنعها الميديا التي صدت الأبواب في وجه الأعمال الجيدة وحجبت عنها الرؤية. تطرق في كتابه إلى نقطة مهمة جدا وهي نسيان الكتاب الكبار الذي أسسوا للرواية العربية أمثال نجيب محفوظ والطيب صالح وغسان كنفاني وإن ذكروا من باب تشييد الرواية على حد تعبيره، حيث قال عن الكتاب “الكتاب والمبدعين، أصبحوا يقرأون بعضهم، أكثر مما يقرأون لمن سبقهم، أصبحت قراءاتهم محصورة على المنتج الأدبي الحالي، دون محاولة إبقاء الصلة بما سبق”.
لم ينس الشعر الذي رأى أنه لم ينل حظه إذا ما قورن بالرواية لكنه بالمقابل قال في الصفحة 34/35 “في العالم العربي لن تكون الرواية ناجحة مالم تكن قريبة من الشعر، لقد أدركت الروائية “أحلام مستغانمي” هذا الأمر جيدا وخلقت توليفة ناجحة بين الشعر والرواية، تركت الشعر وانتقلت للرواية دون أن تعلن حربا ضروسا على القصيدة “.
تحدث عن  العلاقة بين الفلسفة والأدب ووصفها بعلاقة الشك المستديم على حد تعبير رايرسون.
اخترت مما كتبه حول حديث له مع أمين الزاوي واصفا إياه بالهادئ عندما انتقد الزاوي روايات جيل التسعينيات قائلا عنها رواية المثقف النرجسي، يقول في الصفحة 40 “هذه الحياة التي اخترناها مكرهين ومجبرين، فصلتنا تماما عن المجتمع، وأبعدتنا عن هموم الناس، فجاءت كتاباتنا ذاتية، منحصرة على الفرد، المجتمع والمثقف وهو يمارس فعل المقاومة والدفاع عن أفكاره الحداثية ضد دعاة التطرف والدولة الدينية التي كنا نرفضها رفضا قاطعا وعن قناعة”، ذكر مثالا عن الكتاب الذين تخلو أعمالهم من النرجسية النصية؛ السعيد خطيبي وعبد الرزاق بوكبة، فارس كبيش، هاجر قويدي، علاوة حاجي. تطرق إلى الأدب العالمي والرواية من وجهة نظر إيكو، كما تناول تجربة باموق وكونديرا دون أن ينسى الرواية السوداء والرواية البوليسية. وصف من يبحثون عن الرواية الاستهلاكية بجملة قوية جدا “الرغبة المتعاظمة على وقع العيش في الكسل”، كما تحدث عن تجاربه الكثيرة مع كتب قرأها ذكر بعضا منها وعلاقته الجميلة معها.
مايمكن أن أقوله بكل صدق عنه، أنه كاتب حقيقي كما وصفته لي الناشرة آسيا علي موسى، فهي التي نصحتني بشراء أعماله، حقيقة تأسفت وجدا أنني لم أقرأ له قبلا، أول ما يخطر على بالك عندما تنهي هذا الكتاب الممتع أن تسطو على مكتبة حميد عبد القادر، دائما ما أربط شخصية الكاتب بنصوصه ودائما ما أصدم، لكنه من القلائل جدا الذي يشبه أدباء الزمن الجميل، الذي أرى أنه  كرس له كل وقته لأجل خدمته والارتقاء به، لنتفق أن النصوص بجودتها لا بكثرتها، بمواضيعها الملفتة لا بشهرتها.
أختتم جولتي في هذه المملكة التي لا يظلم فيها قارئ بنصيحة وجهها حميد عبد القادر للكتاب الشباب قائلا “أعتقد أنه من المجدي فعلا أن تقرأ هذه الرواية (يقصد بها رواية عنوانها مارتن إيدن) من قبل كل روائي شاب يريد الخوض في الكتابة، فمنها يتعلم كيف يواجه طواحين الإهمال، وجحود الناس من حوله، لكنه يتعلم”. ص/86 .
اقرؤوا أعمال حميد عبد القادر فلن تظلوا طريق الأدب أبدا، منها، الانزلاق 1999، مرايا الخوف 2005، توابل المدينة 2013، رجل في الخمسين 2019.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى