ثقافة

لبشير مفتي/ “لعبة السعادة”.. الجزائر في ما بعد الثورة

سعى بشير مفتي، في روايته “لعبة السعادة”، إلى إبراز أخطاء السلطة وفساد بعض قادتها الثوريين في فترة حكم الرئيس هواري بومدين، من خلال إنشاء حكاية مراد زاهر التي جسدت التفاوت الطبقي بين فئة استأثرت بالحكم وتنعمت بالامتيازات في زمن الاشتراكية، وما آل إليه الوضع التعيس.
تتقاطع حياة مراد مع حياة خاله بن يونس الذي يمثل فئة الثوار المساندين لانقلاب الرئيس هواري بومدين وسياساته، أولئك الذين كانوا يرون في كل ما حصلوا عليه من مكاسب وامتيازات حقوقا مشروعة، وبدؤوا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم ملاك الجزائر الحقيقيون، ولن يزحزحهم أحد من الأمكنة التي أخذوها بالقوة، وأن على البقية أن تقبل بما يمنح لها من حقوق يسيرة، لكن كانوا يعرفون كيف يرضون تلك الطبقات الفقيرة والمتوسطة. ولا يجد مراد زاهر، أمام اشتداد هذا الوعي المهيمن على خاله بن يونس، سوى الإذعان لرغباته وخططه، وهو الغريب الذي يضطر إلى مغادرة القرية التي ولد فيها إلى بيت خاله في المدينة بعد موت أمه، والمديني الذي لا يستطيع التخلص من عقدة القروي بعد موت أبيه، حيث يتحول، سريعا، من ذات باحثة عن السعادة إلى ذات منكفئة تستجيب لأوامر الخال ونواهيه، وكأن في تلك الاستجابة نفسها سعادة لا تعدلها أو تضاهيها السعادة المتأتية من الحب أو الإيمان بالقدرية. إن السعادة التي يريدها له خاله بن يونس هي تلك التي تنبع من ممارسة الظلم والقهر، وتتجمل بالكبر والتغطرس، وتتأسس على الطاعة العمياء للرؤساء؛ فذلك سيكفل لمراد زاهر تولي المهام العظيمة التي سيفوضها له خاله مستقبلا؛ فلا بأس، والأمر كذلك، في أن يسلم بنجاحه في البكالوريا مع علمه بأنه غير حقيق به، ويرضى بالزواج من ابنة خاله نور الحامل من ابن شخصية قوية في السلطة وينسب ابنها كمال إليه، ويتغاضى عن الرسائل التي يكتبها لها عشيقها. وفي خضم ذلك كله، يتمسك مراد زاهر بحبه لناريمان، ويلفي في ذلك الحب السعادة المفقودة: “الحب هو الذي أزهر في النهاية معنى الحياة، الأشياء المادية لا تهم”. ويقيم علاقات معرفية، في رحاب الجامعة، مع ناصر الدمشقي الحالم بالثورة العربية، ونصيرة حداد المتأثرة بمصالي الحاج، وفطيمة مناصري المؤيدة لفرحات عباس، وطلبة آخرين غير منتمين أيديولوجيا مثله تماما، وينفتح على الأجانب الذين يفدون إلى الجزائر من أجل الدراسة، ويعجب برؤيتهم المحايدة حول الثورة. ولكن، يبدو أن رحلة مراد زاهر مع السعادة ستكون قصيرة؛ فبعد أن وجدها في التسليم بالقضاء والقدر إثر موت أمه، تنتهي حياته على يدي ناريمان التي تكتشف “خيانته” لها، بعد أن يخيل إليه أنه هو من يقتلها، بدافع الشر الذي أصبح يملأ قلبه وعقله، وبإيحاء من خاله بن يونس.
بشير مفتي صحفي وكاتب روائي، ولد عام 1969 بالجزائر العاصمة، متخرج من كلية اللغة والأدب العربي بجامعة الجزائر. عمل في الصحافة حيث كتب في نهاية ثمانينيات القرن العشرين في جريدة الحدث الجزائرية، كما أشرف على ملحق الأثر لجريدة الجزائر نيوز لمدة ثلاث سنوات، كما يعمل بالتلفزيون الجزائري مشرفا على حصص ثقافية كحصة مقامات. إلى جانب هذا، عمل مراسلا من الجزائر لجريدة “الحياة اللندنية”، وكاتب مقال بالملحق الثقافي لجريدة “النهار اللبنانية” وبـ”الشروق” الثقافية الجزائرية، وهو أحد المشرفين على منشورات الإختلاف بالجزائر.
ق.ث

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى