أخبار عاجلةثقافة

المجالس الافتراضية للمسرح الوطني: علي عبدون يقارب نص “انتحار الرفيقة الميتة” لعدلان بخوش

اعتبر المسرحي علي عبدون، عرض “انتحار الرفيقة الميتة” لكاتبه عدلان بخوش (المقتبس من رواية فيرونيكا تقرر أن تموت للكاتب البرازيلي پاولو كويلو)، نصا معاصرا من خلال طريقة طرحه لإشكاليته بأسلوب جميل، لكن إضفاء المحلية أنقص من البعد الإنساني مع يجعلها خطابا آنيا، كما أن -يقول- نص بخوش يحتاج لقراءات متعددة ومتأنية من أجل الفصل ما يعود لكاتب النص، وما يعود لصاحب الرواية الأصلية، فيما لعب العنوان دوره الإغرائي بنجاح.
زينـة.ب
وتابع علي عبدون من خلال بث مباشر في إطار المجالس الافتراضية التي ينظمها المسرح الوطني الجزائري وينسقها الكاتب والإعلامي عبد الرزاق بوكبة في “فيسبوك”، أن نص عدلان بخوش الذي نقله إلى الركح المخرج فوزي بن براهيم في قالب درامي اجتماعي بتبني المسرح الرمزي والفلسفي، قد انتقل من الفلسفي والروحاني إلى الواقعي والعنف في العلاقات والدراما بمفهومها الحزين وكذا من الانتحار إلى مفهوم الاحساس بالسعادة، ومن بيئة ومجتمع ومن أبعاد إلى محلية المكان والمجتمع حيث يقول النص أننا في الجزائر عبر الرموز والمراجع من خلال أنثروبولوجية وبيئة النص، حتى أنه غير الكثير وحاول إسقاط الهيكل على شخصياته وأفكاره وما كان يغلي بداخله، فنحس -يضيف- عامرا بالمراجع والكبت والبوح، كما حاول الكاتب في عملية تحليلية وتركيبية وتوجيهية لخروج الشخصيات من الأزمات، بالتالي هو فضاء تحليلي لثقافة معينة ومناهج معينة إلى مكان آخر مبهم ما بين معتقل أو مشفى جنوني وكذا اختلاف طرق العلاج والأساليب بالكهرباء بدلا من الحوار والأدوية الإنسانية.
وأوضح عبدون، أن بخوش قد صنع لشخصيات عمله الأسباب والآليات والخصوصيات وحاول بمشاربه أن يصنع حبكة درامية، كما أن هذه الشخصيات تذهب إلى عالم الممنوعات، وأدرج المسرح كلعبة وحيلة درامية ليعطينا نهاية غير سعيدة لأنه منذ البداية اختار المنهج التغريبي والواقعي حتى لا يشبه ايقاع الرواية الأصلية.
وقال عبدون، أن الكاتب بخوش لم يوظف العامل التحليلي واللغة المختصة بالمكان كلغة الطب، المسرحي والعسكري وغيرها، لكنه يبقى عملا جيدا لأنه ليس من السهل تحمل مسؤولية الاقتباس والتركيب ونقل رواية تقرب 300 صفحة إلى عمل ركحي لا يتعدى الساعتين من الوقت بشخصيات قليلة وديناميكية تخدم النظرة الدرامية التي ارتكز عليها بالتالي الخروج من الرواية الكلاسيكية إلى تقليص الأفكار والفضاءات، وقد نجح -يؤكد- مجملا.
عدلان بخوش: نص بهوية محلية
من جانبه أوضح عدلان بخوش كاتب العمل، خلال قراءته لنصه بصفحة المجالس الافتراضية في “فيسبوك”، أنه حاول كتابة العرض بطرق المسرح التلفيقي حيث ننتقل من مدرسة إلى مدرسة أخرى بطريقة سلسة، فهناك -يضيف- واقعي روسي ومن مسرح الألماني برخت، كما عرض مشاهد النص قراءةً على جمهور الصفحة.
وعن الكتابة عموما، أوضح بخوش أن الحاجة للنصوص بمقاييس عالمية وبهوية جزائرية جعلته يفكر في تجربة قواعد الكتابة الدرامية التي تعلمها في المعهد الذي كان آخر محطة التحق بها للدراسة بعد المسرح الهاوي والمسرح الجامعي إلى الاحتراف بمسرح قسنطينة، وفي المعهد تخصص في الفنون الدرامية تمثيل.
انتحار الرفيقة الميتة.. العنف الواقعي 
ويصور “انتحار الرفيقة الميتة” وهو عبارة عن عمل مقتبس عن رواية “فيرونيكا تقرر أن تموت” للأديب البرازيلي باولو كويلو، على مدار أكثر من ساعة من الزمن، المعاناة النفسية لرفيقة التي ترغب بشدة في الانتحار بحثا عن السلام الروحي وبعد أن فقدت لذة التمتع بالحياة فتحس بكل الدنيا تطبق عَلى نفسها، لكنها في كل مرة تفشل، وفي آخر محاولة يتم إدخالها لمصح للأعصاب، وهناك تلتقي مجموعة من المرضى، وهناك تبدأ رحلتها الجديدة، حيث وجدت حالات مختلفة ثم تفهم بعدها أن الانتحار الحقيقي هو انتحار النفس أولا.
يبدأ العمل تحت إضاءة خافتة يستلزمها العمل، وهناك توجد الرفيقة وهي تحاول النوم بعد أن أتعبها الأرق، تتقلب وتنكمش مثل جنين فوق سريرها يسار الخشبة، تشعر بضيق فلا تكاد تسمعها، تبحث عن السكينة فلا تجدها، دقائق من الصمت تتلاعب فيها البطلة بالجمهور الذي ينتظر ما ستفعله، تطرح الرفيقة الأسئلة الوجودية، وتتناقش مع نفسها وتفكر في حياتها ودواخلها وكذا محيطها.
يتعرف الجمهور تدريجيا إلى الرفيقة، هذه المرأة الشابة التي تنكمش في قوقعتها وتعيش في أحزانها، فتتبلور الفكرة العامة للحياة التي تعيشها، يشاهد الجمهور غرفتها وأشياءها كالعلب الكرتونية التي شكلت لوحة تكعيبية رافقت العرض للنهاية، هذه الأمور التي تزيد من مخاوفها رغم الألفة، غرفة بها ثريا خشبية تسلل ضوءها الخافت على ظلمتها المادية والنفسية، سلم خشبي يقدم ظلّه أفقا تصويريا.
تتسارع أحداث المسرحية وتفشل الرفيقة في الانتحار لتجد نفسها في مصحة خاصة، حيث تتجلى أمامها تباعا شخصيات هي نماذج لما قد نجده في أي مجتمع.. الكل يخطط للخروج من هذا المكان المغلق إلا أنهم يخضعون لمراقبة فوقية تعذبهم وتستنطقهم.. وبعيدا عن فكرة الموت الفردي الذي تسعى إليه هذه الجميلة التائهة، ينبعث جنون جماعي أفرزته محطات حياتية لمجتمع عاش الحرب الأهلية وفقد الحب وسكنه الخوف فضل الطريق إلى الحلم بالغد.
تلاعب المخرج فوزي بن ابراهيم بالإضاءة التي لعبت دورا في العرض، حيث ساهمت بقوة في تحديد مشاعر القلق والتعاطف بين الممثلين داخل المصحة، وكل سرد قصته التي أوصلته إلى هذا المكان، وكلها قصص مهمة زادت من تعبئة قصة الرفيقة، وهناك تحدثوا وعبّروا عن مشاعرهم، وكأن المشاهد سيحس أنه واحد منهم باعتباره يمر أو مر بظروف قاسية.
اعتمدت لغة العرض على المزيج بين اللغة العربية الفصحى والعامية، وذلك لخدمة المشاهد الذي ربما تصعب عليه الفصحى فتأتي العامية لتوضح أكثر لأن العرض فلسفي وجودي وعميق يلزمه توضيحات لغوية تصل إلى الجميع، ورغم الموضوع الجاد والأداء الدرامي كانت هناك لحظات كوميدية مع شخصيتي الطبيبة المتربصة وعبدو.
كانت البداية بموسيقى كلاسيكية سرعان ما انقض عليها قرقابو عمي بوسعدية الذي دب في نفس رفيقة روحا تحررية، لكنها تعود بعد ذلك لعزلتها، وقد لعبت الموسيقى دورا كبيرا في العرض فقد عوضت حوارات كثيرة، وقد رافقت أيضا لحظة انتحار الرفيقة لذلك كان على المسؤول عنها عبد القادر صوفي أن يتقن استعمالها في هذه اللحظة الصعبة وهي التحضير للموت، وهنا استعمل صوفي أغان من التراث كالڤناوة ومقاطع للراحلة بڤار حدة، وهذا يعني أن الاقتباس لم يكن سوى في القصة وإنما هناك لمسة محلية من خلال الإشارة إليها بالموسيقى وأسماء الممثلين.
أما السينوغرافيا فقد كانت تحت إشراف حمزة جاب الله، الذي رغب في الاعتماد على مواد بسيطة موحدة اللون والشكل، تتمثل في علب كرتون وصفائح خشبية، وهناك حدث الصراع العميق بين الشخوص الثماني في المصح الرفيقة اليائسة وزهوة المحامية، وعبدو الجندي المجنون، وسيراج الضابط الغامض، ومحسن المسرحي الباحث عن مشهده الضائع، إضافة إلى الطبيب صاحب مشفى المجانين والطبيبة المتربصة الثرثارة وعون الأمن المهوس بحراسة الجميع، وهنا حدث كل شيء وتحدث كل واحد عن آلامه ومشاكله، هنا تحت هذه الظلمة الخافتة، الجميع سواسية.
من جهة أخرى برز الأداء النسوي ممثلا في كنزة بوساحة بدور الرفيقة وهاجر سيراوي بدور زهرة اللتين كشفتا عن قوة في الحضور وفصاحة جميلة وإلقاء بصوت دب في أرجاء قاعة مصطفى كاتب كاملة، فكانتا إلى جانب زملائهما اكتشافا جميلا، ثم رمزي قجة بدور عبدو، علي ناموس بدور الطبيب ومحمد نجيب بوسواليم بدور سيراج، بلال لعرابة بدور محسن، آمال دلهوم بدور الطبيبة المتربصة، أحمد قوادري بدور عون الأمن.
المخرج فوزي بن براهيم: فلسفة دون تعقيد
وكان المخرج قد أوضح في أكثر من مناسبة أنه انتقى لإكمال هذا العمل من كل التيارات والمدارس المسرحية، لكنه -حسبه- في الأخير عمل انطباعي، فهو يترك للمتلقي حرية التأويل، وأدخل عليه بعض المشاهد الكوميدية لتبسيطه حتى وإن كان فلسفيا لا يجب أن تغطيه هالة التعقيد وتسهيل فهمه للجمهور، لهذا اختار التعامل مع هذا العمل الدرامي بأسلوب خفيف يبتعد عن السوداوية التي غالبا ما ينفر منها الجمهور.
يُشار أن مسرحية “انتحار الرفيقة الميتة” للمسرح الجهوي للعلمة للكاتب عدلان بخوش والمخرج فوزي بن براهيم، قد عُرضت في إطار فعاليات المهرجان الدولي للمسرح المحترف طبعة 2017، وهو عمل فلسفي وجودي يتطرق لمختلف الصراعات النفسية التي تواجه الإنسان.
يُذكر أن المخرج فوزي بن براهيم قد فتح بابا لتأويل نهاية العرض وإن كنّا سنعتبرها نهاية مفتوحة نوعا ما، وهذا عكس رواية كويلو التي كانت واضحة.
زينـة.ب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى