أخبار عاجلةثقافة

المجالس الافتراضية للمسرح الوطني: أنوال طامر تقارب نص “آسف، لن أعتذر” لبشير بن سالم 

قالت الأستاذة والباحثة أنوال طامر، أن النص المسرحي “آسف.. لن أعتذر”، مرتبط بوقائع سياسية وإنسانية نعيشها منذ سنوات، تتمثل في إمكانية محاسبة الجناة ومتابعتهم باسم الحروب ضد الإنسانية، بالتالي تيمة هذا النص عالمية تمس كل من عانى ومازال يعاني من الاستعمار.
زينـة.ب.س
وأوضحت أنوال طامر من خلال بث مباشر في إطار المجالس الافتراضية التي ينظمها المسرح الوطني الجزائري وينسقها الكاتب والإعلامي عبد الرزاق بوكبة في “فيسبوك”، أن الاستعمار الفرنسي بالذات ليس فقط استيطانا أو تجريدا من مكونات الهوية ومن اللغة بل هو تيمات مسكوت عنها، اتجار ومتاجرة، والنص عالج أهم تيمة وهي الاغتصاب والأطفال الذين ولدوا في هذه الظروف، مشيرة أن ظروف العمل جاءت في وقت خاص حيث يتعلق الأمر بعرض مسودة قانون تجريم الاستعمار على البرلمان الجزائري في 2009 ومواكبته لطلب ليبيا التعويضات والاعتذار من إيطاليا وكذا موقف آخر مدعم لمواقف الاستعمار من قبل البرلمانيين الأوروبيين، مضيفة أنه في 2018، كانت هناك بوادر عندما اعترفت فرنسا بقتلها لموريس أودان، لكن أهم أمر هو موقف ساركوزي بعد مرور 50 سنة لرفع الحجر عن الأرشيف الجزائري، لكنه مدد مع رئاسة ماكرون، بالتالي تظل القضية معقدة ونحن ننتظر.
وتابعت الباحثة، أن بنية النص مأساوية من حيث النوع وهي مبنية على الديو دراما، والحكاية لها آفاق وجذور وهي أوسع مما عرض على مستوى الفعل والاحداث، كما أن -تقول- الفعل الدرامي يبدأ لحظة اللقاء، بالإضافة إلى وجود خلفيات وسياق وأحاديث عن الخيانة والمواقف وشخصيات أخرى تبرز من خلال الحوار، كما أن -تشير- الكاتب ركز على جزء من ما حدث في الثورة وأدخل المتلقي من النافذة للتعرف على المستعمر، مضيفة أن هناك علاقة جدلية ايحائية للعنوان وتركيبته غريبة لصيغة تجمع بين أسف ورفض الاعتذار، صيغتان تحيلات إلى أكثر من هامش في التأويل وهي تركيبة ذكية واختيار شامل وجامع وصانع لأفق وشوق المتلقي.
وبشأن الحبكة، قالت طامر أن العمل يشد الانتباه وينقلك بسلاسة من محطة إلى أخرى ولا يسمح للمتلقي بإيجاد منفذ للخروج حتى أنه سيشعر أنه يقاد بقدر محتوم وهو المواجهة والصدام، بالتالي -تضيف- أن حبكة النص معقدة وهي مبنية على أساسين هما التحول والاكتشاف، وهو تغيير مجرى الفعل في غير اتجاهه وفق قاعدة الاحتمال والحتمية وتغيير لموقف من النقيض إلى النقيض، وهنا شخصية صفية دخلت كفتاة عادية ثم تتحول إلى أكثر من بطلة، وأشارت الباحثة أن الإضافة في الديو هو الإيقاع حيث تتخيل وجود موسيقى الفالس والتانغو القوية التي تحتاج إلى ثنائي يرقص بجسده ومشاعره وخلفياته ولا ينفع أن ينفصل إلا في النهاية.
وواصلت طامر حديثها، بأن الشخصيات تبنى على أساس علاقتها بالآخر في المسرحية أي على أساس علاقة درامية (تفاعلية)، فالضابط فرانسوا يجد نفسه وجها لوجه أمام صفية التي تتدرج في المراتب من نكره إلى صحفية إلى ابنة الجنرال عمار إلى ابنة هذا المغتصب، وفرانسوا يكتشف أنها ليست صحفية لكنه سيواكب الحوار ويتابع بحسه الجندي تفاصيل الخصم، كما أنه متصارع مع ذاته يحاول الانتحار لأنه تعرض للإساءة من طرف السلطة الفرنسية، فإذن العمل محرك لقاء الأضداد وخلق وضعيات وحالات قوية من التوتر والشد، هناك أيضا صراع الإرادات فكل واحد يعتقد بأنه على حق. كما أن -تضيف- الفضاء الدرامي يحيل إلى فكرة الفضاء المغلق وفضاء فرانسوا فضاء نفسي فيه تجاذب وتنافر بين موقفين، وقوة نص بن سالم في هذا الفضاء المغلق.
وعن السينوغرافيا، فضّلت طامر لو أن العرض الذي
أثث بسينوغراقيا جميلة، لو أنه كان بدونها واقتصر على كنبة فقط لكي لا يشتت انتباه المتلقي، ولكن -تقول- الفعل قوي والشخصيات مبنية بناء قويا جدا.
وتعتقد أنوال طامر أن النص منحنا خاتمة من شقين
الأول يتمثل في نهاية ترجح موقف صفية وتخرجها من الصراع أقوى فهي دخلت الحلبة لكشف المغتصب وتركته في موقف محرج وموقف جبن لأنه لا ينتحر في النهاية، فصفية وقفت أمام الجلاد وهي الحابكة لكل الأحداث وتفاصيل اللقاء فقد كانت تعلم أنه لن يعتذر لكن ما كان يهمها هو أن تواجه هذا المغتصب وتشعره بضآلته وأنه لم يكن يوما بطلا، فيما رأت الباحثة الشق الثاني كرد فكري وموقف تحترمه، فالكاتب ذكرنا أن الفن يفكر بطريقة لا يفكر بها السياسي، كما أن -حسب رأيها- قضية المستعمر لا تحتاج للاعتذار فشراسته تجاوزت هذا الطلب وصراعنا اليوم تجاوز تسول الاعتذار فاليوم يستمر في غطرسته ولا يقدمه ونحن ننتظر وهذا غريب، وتضيف أن صراعنا اليوم يجب أن يرتقي لمستوى مناضلينا ومجاهدينا فعزة النفس أهم مكسب، وعلينا استرجاع الأرشيف وهذا الأهم.
اعتراف دون اعتذار رسمي
تم عرض مسرحية “آسف…لن أعتذر” للمسرح الجهوي معسكر، عن نص بشير بن سالم والمخرج عيسى جقاطي، في إطار مهرجان المسرح المحترف لدورة ديسمبر 2017.
وعالج هذا العرض الناطق باللغة العربية، موضوع الاعتذار القائم بين الجزائر وفرنسا وذلك من خلال قصة اجتماعية، حيث تدّعي “صفية” أنها صحفية جاءت في إطار العمل لفرنسا، فتلتقي فرانسوا الفرنسي في البار، تتقرب منه حتى تستطيع أخذه إلى المنزل وهو في حالة سكر، وهناك عندما يستفيق يجدها معه، فتخبره أنها تريد محاورته باعتباره ضابطا سابقا في قوات الاحتلال الفرنسي بعد إصدار قرار معاقبة مجرمي الحرب، وهو قرار توهمه كاتب النص.
تتتابع الأحداث، حتى تكشف صفية لفرانسوا أنها ليست صحفية وأنها جاءت للانتقام منه وقتله، فيبدي هذا الأخير استعدادا للموت لأنها بذلك ستساعده في القيام بهذه الخطوة، ليصل الاعتراف في النهاية إلى أنها ابنته من أمها الجزائرية.
سينوغرافيا العرض جاءت على الطريقة الكلاسيكية، منزل على الطراز الفرنسي يتوسط البلياردو صالة المنزل، وإن كانت افتقرت إلى بعض الإشارات الضرورية كبندقية على الحائط أو صورة لشخصية أو لضابط، أو حتى بدلة حربية رسمية، بالإضافة إلى الموسيقى التي خدمت العرض، وتمكن الممثلة من الأداء وتداركها لسقوطها عندما كانت ترقص وذلك قد خدم العرض أيضا فهي ليست هناك للاستعراض وإنما كانت تخفي ارتباكا مما أتت للقيام به، بالتالي تلك السقطة كانت في محلها.
شهد العرض صراعا نفسيا، ففرانسوا كان يعاني من الداخل، فكيف كل هذه السنين تتم محاكمته وهو الذي كان يؤدي واجبه وما يمليه عليه بلده، ثم صفية التي اكتشفت بعد 15 سنة أنها ليست ابنة عمار الجنرال، وتخلى عنها أهلها إخوتها عندما عرفوا حقيقة أصلها، وأنها ابنة مجرم الحرب.
“آسف.. لن أعتذر”، استعمل اللغة العربية لكنها لم تكن قوية خاصة وأنه كانت هناك أخطاء لغوية خلال الأداء، وإن كانت العامية الجزائرية أفضل بكثير لبعث الحيوية في العرض يبقى المخرج حرا في اختيار اللغة، لكنه عرض درامي وافى كل شروط العمل الركحي بتفاصيله، تاركا نهاية مفتوحة لتأويلات الجمهور والنقاد.
بشير بن سالم: ماذا بعد الاعتذار 
من جانبه أوضح بشير بن سالم كاتب العمل، خلال قراءته لنصه بصفحة المجالس الافتراضية في “فيسبوك”، أن الفكرة غطاء لشيء آخر، وأنه ماذا هناك بعد الاعتذار وما الذي سيحدث أو سيضيف، كما أن الإنسان منذ البداية ليس مجبرا على القيام بكل هذه الشرور حتى يضطر للاعتذار، كما أن هذا العمل يقدمه الكاتب لوطننا، كفكرة أو كشعلة تبقى في التاريخ والذكرى، وأوضح بشأن العنوان أنه يوجد اعتراف بالجرائم لكن لا اعتذار رسمي بعد.
المخرج عيسى جقاطي: مهما فعلنا لن تعتذر فرنسا 
وكان المخرج عيسى جقاطي قد أوضح عند عرض العمل بالمهرجان، أن العما قد عالج موضوع تجريم الاستعمار، وقال أنه مهما فعلنا فلن تعتذر فرنسا، والإشكالية هي الاعتراف بالجرم، ومهما عوضونا فهو يبقى جرما، وهو أول عرض مسرحي يتناول هذا الموضوع، معتبرا نص الكاتب بشير بن سالم جريئا وهو موضوع إنساني في حد ذاته، من خلال قصة فتاة جزائرية ذهبت تبحث عن والدها فهي لم يتقبلها مجتمعها، فراحت لتنتقم منه لأنه ضيع حياتها، وقد حاول المؤلف إعطاء الموضوع حقه من خلال قرار وهمي مفترض، هذا القرار الذي جعل الضباط الذين شاركوا في الحرب في صراع نفسي وصراع مبادئ، وهنا أصبح الجندي أيضا ضحية أعمال دولته، فهي من أرسلته في مهمة حربية ثم بعد ذلك تحاكمه، ومن هؤلاء الجنود من انتحر ومنهم بقي ينتظر، وفرانسوا كان يفكر في الانتحار لكنه لم يستطع لهذا كان يحاول إقناع صفية بأن تفعل، لكن النهاية بقيت مفتوحة وبقي صوت طلقة الرصاص ليبقى التساؤل من قتل نفسه فرانسوا أم صفية، أو من انتحر بينهما. وأشار جقاطي حينها، إلى أن هذه المواضيع تحتاج بالضرورة إلى قالب كلاسيكي، لهذا لم يلعب على التجديد والعصرنة وهذا اختيار شخصي.
وعن تواجد البلياردو في المساحة المركزية للعرض، أوضح المخرج أنه إشارة إلى العلاقات الجزائرية-الفرنسية التي تشبه اللعبة، ولأن هذه اللعبة مهمة لدى العائلات الفرنسية ومقدسة جعل صفية تدوس عليها وترقص فوقها وتضع حذاءها فوقها كنوع من الاستفزاز، بالاضافة إلى استفزاز فرانسوا بأنه انتهى جنسيا لأن آخر إنجاب له كان صفية مع جزائرية، كما استفزه أيضا بأن الجنرال عمار أنجب سبعة أولاد ولم ينجب بنتا كما فعل فرانسوا وهنا وقع المهرج في خطأ التقليل من المرأة في حين أن الفرنسي والأوروبي تحديدا لا يهتم لجنس المولود سواء بنتا أو ولدا.
زينـة.ب.س

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى