أهم الأخبارالوطن

المؤشرات الاقتصادية تثير الامخاوف.. الغضب الاجتماعي يحاصر الحكومة في 2019

يستقبل الجزائريون، عاما جديدا، وسط غموض متعدد الأوجه، طبعه سياسيا استمرار الغموض حول الرئاسيات المقبلة، واقتصاديا السقوط الحر لأسعار النفط واستمرار الحكومة في طبع الأموال في إطار التمويل غير التقليدي (طبع أكثر من 4000 مليار دينار)، مع تواصل تآكل احتياطات الصرف بالعملة الصعبة وانهيار قيمة الدينار، وهو الوضع الذي لا يزال يثقل الجبهة الاجتماعية، بما تواتر عن “سياسة التقشف” التي انتهجتها الحكومة، من تداعيات على القدرة الشرائية للمواطنين، وهو ما لا يزال يخلق غليانا في العديد من القطاعات، كالتربية والصحة والصناعة والشؤون الدينية (الأئمة) والنقل (الجوية الجزائرية) وغيرها..

ويرى خبراء في الاقتصاد أن الجزائر ستدخل عام 2019، بمعطيات ومؤشرات اقتصادية تنذر بعام أصعب بكثير من سنة 2018 فالتحديات التي تواجه حكومة أحمد أويحيى تفاقمت في الآونة الأخيرة بسبب استمرار انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية، فالحكومة التي قررت رفع قيمة التحويلات الاجتماعية المخصصة للعائلات وإعانات السكن والصحة، ودعم الأسعار، ضمن الميزانية المخصصة للعام القادم في إطار قانون المالية للعام المقبل، بنسبة 0،7 بالمائة.

وبلغت قيمة التحويلات الاجتماعية المقررة في موازنة العام المقبل 1772 مليار دينار ما يمثل 8،2 بالمائة من الناتج الداخلي الخام، مقابل غلاف مالي يقدر ب 1.760 مليار دينار للتحويلات الاجتماعية للعام الجاري، ستجد نفسها أمام عقبة كبيرة تتمثل في حماية القدرة الشرائية للمواطن التي باتت أدنى من الانهيار بسبب استمرار تهاوي سعر الدينار وهو ما أثر على وتيرة التضخم الذي بلغ 4،5 بالمائة شهر نوفمبر الماضي.

فالحكومة اليوم وجدت نفسها في وضع لا تحسد عليه، لأنها تواجه سنة مجهولة بالنظر إلى التهاوى المستمر لأسعار النفط، واستمرار تآكل مدخرات البلاد من احتياطات الدوفيز، حيث اعترف محافظ بنك الجزائر مؤخرا أن احتياطات الصرف بالعملة الصعبة تتآكل بوتيرة أسرع من المتوقع، والعواقب الوخيمة المترتبة عن استمرارها في طبع النقود.

“سنة صعبة”

وقال الخبير الاقتصادي سليمان ناصر، في تصريح لـ ” الجزائر الجديدة “، إن سنة 2019 ستكون صعبة على ما يبدو على الجزائريين، وهذا ليس تشاؤماً منا ولكن كل المؤشرات توحي بذلك، مشيرا إلى أنه ” من الصعب أن نختصر كل توقعاتنا الخاصة بسنة 2019 في كلمات، لكن أعتقد أن المشكل الذي يقلقنا كثيراً هو لجوء الحكومة إلى الحلول السهلة والترقيعية كعادتها في معالجة المشاكل الاقتصادية للبلاد، وعلى رأس هذه الحلول اللجوء إلى التمويل غير التقليدي أي إغراق السوق الجزائرية بالنقود المطبوعة دون تغطية، ودون أن يكون لها مقابل من السلع والخدمات في ظل عجز الحكومة عن تحريك عجلة الاقتصاد وتنويعه، والخروج بأقصى سرعة من التبعية المفرطة للمحروقات “.

ويرى ناصر سليمان، أنه وبالنظر إلى التصريحات التي أدلى بها المسؤولين فمن المتوقع أن تبلغ الكمية المطبوعة من النقود في إطار التمويل غير التقليدي 5200 مليار دج مع نهاية سنة 2018 أي ما يساوي 44 مليار دولار، وهو ما يمثل 60 بالمائة من ميزانية الدولة لسنة 2019، وهو مبلغ مهول بكل المقاييس، وتساءل المتحدث قائلا: ” يحدث هذا بعد حوالي سنة من صدور القانون الخاص بهذا التمويل فكيف يكون حالنا بعد 5 سنوات وهي المدة التي يمنحها القانون للحكومة وللبنك المركزي للجوء إلى هذا النوع من التمويل ؟!!! “.

وحسب الخبير الاقتصادي، فإن هذا التمويل سيسبب بلا شك نسبة تضخم عالية، مما سيزيد من تدهور القدرة الشرائية للمواطن ومن تدهور قيمة الدينار الجزائري أمام العملات الصعبة، وطبعاً المواطن الجزائري لن يصدق الحكومة وهيئاتها عندما تعلن بأن معدل التضخم يتراوح بين 4.5 و 4.8 بالمائة لأن التضخم الحقيقي يلمسه يومياً في الميدان وهو أعلى من هذا بكثير، ومازالت الحكومة تكرر نفس الخطأ عندما تعلن في قانون المالية بأن معدل التضخم المتوقع لسنة 2019 هو 4.5 بالمائة وهي السنة التي ستشهد المزيد من إغراق السوق بالنقود المطبوعة.

“لا أفضل ولا أسوأ”

ومن جهته يعتقد أستاذ الاقتصاد بجامعة الجزائر، يحي جعفري، في تصريح لـ ” الجزائر الجديدة ” إن ” لا شيء سيتغير في 2019 فهو استمرار لـ 2018 “، مشيرا إلى أن الأوضاع ستبقى عل حالها إلى غاية ما بعد الانتخابات الرئاسية إذا جرت في وقتها “.

ورجح المتحدث في هذا السياق إمكانية لجوء الحكومة إلى مشروع موازنة إضافية تستدرك كل ما فات من ضرائب باهضة ورسوم مرتفعة في مقابل عجوزات كبيرة الميزانية ومختلف الموازين والحسابات كالمدفوعات والتجاري والحساب الجاري وهي العجوزات التي ستستنزف الاحتياطات من العملة الصعبة وتفتح البلد على التفكير في الاستدانة الخارجية مطلع 2020. وأوضح أنه وبعد اللجوء إلى المديونية الخارجية سيكون التمويل غير التقليدي قد استكمل دوره وانتهت مهمته ولم يعد مجد في إعادة التوازن وضمان السيولة أمام آثاره الكارثية على العملة والتضخم والقدرة الشرائية وهي الثالوث الذي يمكن أن يفتح باب حراك اجتماعي خطير قد يعود بالبلد إلى المربع الأول.

غضب اجتماعي

وسيبقى الوضع الاجتماعي بالنسبة للحكومة “مشكلة مزمنة” ، فتدهور القدرة الشرائية أدى مؤخرا إلى انتفاضة واسعة للعمال بمختلف قطاعات الوظيف العمومي، وحددت عدة نقابات تواريخ الاحتجاجات التي ستخوضها مطلع 2019، في وقت باشرت أخرى حراكها رافعة جلها مطلب تحسين الأجور.

وبعد هدنة طويلة أطلقت نقابات التربية صفارة الإنذار، وأعلن التكتل النقابي الذي يضم ستة نقابات عن تحضيراته لتنظيم وقفات احتجاجية، ومنح الوزيرة نورية بن غبريت مهلة قصيرة المدى للرد عن لائحة المطالب أو تنفيذ تهديده، وصعد من لهجته هذه المرة بإعلانه مقاطعة جلسات الوزارة الشكلية التي لم تقدم نتائج ملموسة وانسحابه من ميثاق أخلاقيات القطاع.

أئمة المساجد هم أيضا يترقبون بشغف ما ستسفر عنه جلسات الحوار التي كشف عنها وزير الشؤون الدينية محمد عيسى، الذي حسم في مسألة الأجور وأكد أنه ” محرج من العودة مجددا إلى الحكومة وبيده هذا الملف “، ورغم ذلك قال رئيس التنسيقية الوطنية للأئمة، جلول حجيمي، في تصريح لـ ” الجزائر الجديدة ” إنهم سيلبون دعوة الوزير وسيدافعون بقوة عن مطالبهم وسيحددون بعدها طريقة ردهم. ومن جهة أخرى عادت شرارة الاحتجاجات إلى المنطقة الصناعية للرويبة والرغاية، ويطالب العمال برفع أجورهم خاصة مع الظروف الاقتصادية الراهنة التي تدهورت بموجبها القدرة الشرائية والمطالبة بحقهم في التقاعد دون شرط السن والتقاعد النسبي.

وتزامنا مع هذا الحراك أعلنت النقابة الوطنية لمستخدمي الإدارة العمومية ” سناباب ” عن التحضير لإطلاق حملة مليونية لمطالبة الحكومة برفع أجور العمال وإلغاء الضريبة على الدخل والمتقاعدين، في ظل تدهور القدرة الشرائية للمواطنين، وحدد التنظيم المشاكل التي تُواجه المواطن الجزائري التي يأتي في مقدمتها ” تدهور القدرة الشرائية، صعوبة الحصول على الخدمات الاجتماعية الأساسية، كالتربية، الصحة، الشغل، السكن والنقل “. واعتبرت النقابة أن ارتفاع البطالة وتفشي ظاهرة الهجرة غير الشرعية وارتفاع نسبة الانتحار في صفوف الشباب، هو نتيجة للقوانين والإجراءات غير الاجتماعية التي تقررها السلطات، مشدّدة على أنها “ستعمل عبر كل الطرق السلمية والقانونية من أجل افتكاك راتب لائق وكريم للعمال “.

ولم تعد تتماشى الأجور التي يتقاضاها العمال مع الواقع المعيشي الذي يشهد ارتفاعا الذي يشهد ارتفاعا في الأسعار وتدهور القدرة الشرائية، كنتيجة لإنهيار قيمة الدينار، لكن الحكومة ترفض كافة الدعوات بداعي أن وضع الخزينة العمومية لا يسمح بأية زيادة في الرواتب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى