أخبار عاجلةثقافة

الدكتور محمد بوفلاقة :المسرح الجزائري بحاجة إلى الكثير من القراءات والأبحاث الجادة

قال الدكتور محمد بوفلاقة أن المسرح الجزائري بحاجة إلى الكثير من القراءات والأبحاث الجادة التي تنجز من قبل مختلف الباحثين والدارسين، حيث يؤكد النقاد على أن الدارس للمسرح الجزائري يجد صعوبة كبيرة في تحديد بداياته، ونشأته، على الرغم من أننا نجد أغلب الآراء تؤكد على أن انطلاقة الحركة المسرحية الجزائرية كانت سنة 1921، وهي السنة التي قامت فيها فرقة “جورج أبيض” بزيارة إلى الجزائر قدمت خلالها مجموعة من العروض في العاصمة الجزائر، وفي مدينتي قسنطينة ووهران.
ق.ث/ زينـة.ب

وأشار بوفلاقة إلى كتاب الباحث الجزائري المعروف بدراساته، وكتاباته النقدية المسرحية جروة علاوة وهبي الموسوم بـ”ملامح المسرح الجزائري” ليُقدم لنا مجموعة من الأبحاث والمقالات، التي تثير إشكالات متميزة، وتطرح أفكارا ورؤى جادة تتصل بالمسرح الجزائري وقضاياه المتنوعة والمتشعبة.
يضيف بوفلاقة، في السياق ذاته، أن الكاتب جروة علاوة وهبي يشير منذ البداية إلى أن المقالات التي يضمها الكتاب بين طياته ليست تأريخا بقدر ما هي محاولة ومساهمة منه في التعريف بالمسرح الجزائري، ويرى أن المسرح الجزائري في حاجة إلى بحث أكثر عمقا ودراسات أكثر غورا في جذوره، ولابد من تأكيد الدور النضالي الذي لعبه في التوعية، والتأكيد على الهوية الوطنية وتأصيل الشخصية العربية الإسلامية، وتحريض الجماهير على محاربة المستعمر ومقاومته بمختلف الأساليب والتصدي له ولمحاولاته لتغريب الإنسان الجزائري عن لغته وثقافته من خلال محاربة الدين الإسلامي واللغة العربية والدعوة إلى الاندماج مع فرنسا والترويج لذلك بشتى الوسائل، فهو مسرح نضالي ومسرح ثوري بأتم معنى الكلمة، فمن تاريخ المسرح الجزائري قبل الاحتلال توجد حلقات ذكر ودردشة في رصده لتاريخ المسرح الجزائري قبل الاحتلال، وقد نبه المؤلف إلى أن عدم ظهور الفن المسرحي في الجزائر والمغرب العربي في القديم لا يعني النفي القطعي بعدم وجود مسرح في كل من الدول الثلاث فهناك بوادر مسرحية وإن ظهرت في شكل بدائي، ولم تتطور كما هو الشأن معها في الدول الأوروبية، وهو ما يُمكن أن يُطلق عليه اسم “ما قبل المسرحية الناضجة”، كما أشار إلى ذلك الدكتور محمد عزيزة في كتابه “المسرح والإسلام”، ومن الأمثلة التي قدمها المؤلف شخصية “بوسعدية” وهي شخصية زنجية معروفة لدى سكان المغرب العربي، وتطوف بين الأحياء والمدن وتنشد الأغاني المصحوبة بالطبل أو الدف، وتقوم بإيماءات، فهذه الشخصية -كما يرى المؤلف- ما هي في الحقيقة إلا بداية للفن المسرحي، ولكنها لم ُتستغل الاستغلال الجيد، ولم تجد الكاتب المتمكن من المادة لكي يطورها، ويخلق منها شخصية مسرحية. ويشير المؤلف إلى أن مسرح الكراكوز كان معروفا في بلدان المغرب العربي قبل سنة 1925، ويستدل على ذلك بصدور قرار الحكومة الفرنسية بمنع هذه اللعبة في الجزائر، وذلك في حوالي سنة 1848، وهذا ما ذكرته الكاتبة أرلين روث في كتابها “المسرح الشعبي في الجزائر”، وهو ما يعده المؤلف دليلا من الدلائل القاطعة على وجود المسرح، أو إرهاصات لميلاد المسرح في الجزائر قبل سنة 1925. وتحت عنوان “البربر وبدايات الفن المسرحي” أكد الباحث على وجود بوادر للمسرح في الجزائر قبل سنة 1925، حيث أشار إلى أن هناك بنايات ضخمة للمسارح الرومانية المنتشرة في ربوع البلاد الجزائرية، ومنها تيمقاد وجميلة وتيبازة، وقالمة، ويقول في هذا الشأن بأنه مهما يكن فإن هذه المسارح رومانية إلا أنه لا يمكن الجزم بأن الجزائريين لم يعرفوا المسرح، بل إنهم قد عرفوا المسرح عن طريق هذه المسارح، ولكن بما أن الجزائر قد استعمرت من طرف الرومان، فإنها تكون بذلك قد تفتحت على الثقافة الرومانية بما في ذلك المسرح، متسائلا حول السبب في عدم استمرار التجربة بعد ذلك. ويستدل المؤلف برأي العلاّمة عثمان الكعاك الذي أدلى به في كتابه الموسوم بـ”البربر”، حيث ذكر أن المسرح عُرف في شمال إفريقيا عن طريق الاتصال المباشر لسكان هذه المنطقة بالحضارة اليونانية، وبما أن اليونانيين استعمروا ليبيا، ونقلوا إليها ثقافتهم بما فيها المسرح، وليبيا كانت لها علاقات بجيرانها، فإنه يمكن القول إن سكان هذه المنطقة قد عرفوا المسرح حتى قبل الاستعمار الروماني، كما ذكر أن المسرح قديم عند البربر، وجاءوا به من الهند، وقد أسس له يوبا الثاني معهدا لتدريسه بشرشال، كما ألف فيه تصانيف.
يتابع بوفلاقة، أن المؤلف قدم متابعة تاريخية متميزة لبدايات المسرح الحديث في الجزائر، حيث ذكر في البدء أن فترة الاحتلال الفرنسي الأول للجزائر من سنة 1830 إلى غاية 1888 هي عبارة عن قحط فني، فالفرق المسرحية الفرنسية التي كانت تقدم عروضا مسرحية في ذلك الوقت، كانت تقتصر على تقديمها في الثكنات العسكرية الفرنسية فقط، وحتى بعد سنة 1888 كانت العروض المسرحية تقدم على ركح المسرح للجمهور الفرنسي فقط من أبناء المستعمرين، وكانت ممنوعة على الجزائريين، فتاريخ بداية الحركة المسرحية في الجزائر هو أواخر القرن التاسع عشر. وقسم الباحث جروة علاوة وهبي تطورات الحركة المسرحية الجزائرية إلى ست مراحل رئيسة تميزت باختلاف درجات الوعي الفني والسياسي فيها من مرحلة إلى أخرى، كما تنوعت الأعمال المسرحية المقدمة، فوفق ما يرى المؤلف أنه منذ سنة 1926 إلى غاية سنة 1962 مر المسرح الجزائري بخمس مراحل، فالمرحلة الأولى تمتد من سنة 1926 إلى غاية سنة 1934، وقد امتازت العروض المقدمة فيها بشيء من الواقعية، والاهتمام بقضايا ومشاكل الشعب اليومية، واقتصرت عروضها على أنواع معينة من المسرحيات ذات الطابع الهزلي، إضافة إلى المسرحيات الارتجالية التي اعتمدت على شخصيات معينة وثابتة، ويشير المؤلف إلى أن هذه المرحلة قد عرفت ظهور الرائد الأول والمؤسس الفعلي للمسرح العربي في الجزائر وهو “رشيد قسنطيني” الذي تعلق به الجمهور الجزائري تعلقا كبيرا، أما المرحلة الثانية فهي تبدأ من سنة 1934، إلى غاية اندلاع الحرب العالمية الثانية، وأهم ما ميزها الضغوط الكبيرة من طرف الاستعمار الفرنسي، الذي شعر بأن هناك خطرا يهدده، فراح يتدخل في نصوص المسرحيات التي تعرض، ويسعى إلى قص وتشطيب وحذف بعض النصوص وكانت الفرق تحتال على المراقبين بعرض نص على الرقابة وفي ليلة العرض يتم تقديم نص آخر.
وقد اتسمت المرحلة الثالثة بأنها أقل أهمية من المرحلتين الأولى والثانية، حيث أنها تبدأ سنة 1939، إلى غاية سنة 1945 وقد لاحظ المؤلف في هذه المرحلة ظهور حركة جديدة لم يعرفها المسرح العربي في الجزائر من قبل، وهي حركة الترجمة والاقتباس، إذ اتجهت بعض الفرق إلى ترجمة مسرحيات من التراث المسرحي الفرنسي، وقدمتها أمام الجمهور الجزائري، على الرغم من أنها لا صلة لها بقضايا الشعب الجزائري، كما عرفت هذه المرحلة ظهور جيل جديد من الكتّاب المسرحيين مثل محمد التوري، ومصطفى بديع، ومصطفى قزدرلي، ومصطفى كاتب. وتبدأ المرحلة الرابعة من سنة 1945 إلى غاية سنة 1954 سنة اندلاع الثورة الجزائرية التحريرية الكبرى، حيث توقفت هذه المرحلة لتعود للظهور من جديد في حوالي سنة 1956، وفيها أدت الفرق المسرحية دورا بارزا في ميدان التوعية السياسية، حيث إن أغلب المسرحيات التي عُرضت كانت ذات مضمون ثوري، كما عرفت ظهور العديد من الفرق المسرحية الجديدة. وتعتبر المرحلة الخامسة هي آخر مرحلة من تاريخ المسرح الجزائري قبل الاستقلال حيث تبدأ سنة 1956، وتنتهي سنة 1962، وقد شهدت اهتماما بقضايا متصلة بحياة الشعب الجزائري، كمسألة الاستعمار، وكيفية التخلص منه، وناقشت بعض مشكلات الفلاح الجزائري، ومعاناته مع الاستعمار الفرنسي، وموقف الملاك الجزائريين من فقراء العمال، وغيرها، كما عرفت هذه المرحلة توقف الكثير من الفرق المسرحية نظرا لتجنيد الاستعمار الفرنسي لكل طاقاته الجهنمية لمحاربة الفنانين الجزائريين، ونظرا لمحاصرتهم، فإن أغلبهم التحقوا بصفوف الثورة الجزائرية في الجبال، ففي هذه المرحلة -كما عبر عن ذلك المؤلف- خرج المسرح العربي في الجزائر من المدينة، والتحق هو الآخر بالجبال لخدمة الثورة، وخدمة القضية الوطنية، والتعريف بها في الأوساط العالمية، السياسية منها، والثقافية، وشارك الفنان الجزائري، ورجل المسرح في المعركة التحريرية من أجل استعادة السيادة الوطنية وتحرير البلاد من سيطرة الاستعمار الفرنسي. أما المرحلة السادسة فقد عرفت انتشارا واسعا للمسارح، وظهرت الكثير من الفرق المسرحية الجزائرية في شتى الأقطار، وتنوعت فيها الاتجاهات مثل المسرح الشعبي، ومسرح الأصالة والتراث، ومسرح الواقعية الثورية، وغيرها.
وكتب بوفلاقة، أنه وفي بحثه عن مسيرة المسرح الجزائري قدم المؤلف عدة أفكار ورؤى هامة بغرض تطوير المسرح الجزائري، حيث دعا إلى ضرورة الأصالة وحسن الاختيار والبحث عن الموضوعات المتجذرة في تاريخنا ومسرحتها وجزأرة الأعمال التي يتم اختيارها من التراث المسرحي العالمي والتحرز من كل ما من شأنه المس بالشخصية الجزائرية.
وخلص بوفلاقة، أنه في القسم الأخير من الكتاب تطرق المؤلف إلى جملة من القضايا الهامة، وناقش من خلالها مجموعة من الإشكالات والمشكلات والظواهر المتصلة بالمسرح الجزائري. ومن القضايا التي تحدث المؤلف عنها باستفاضة قضية التأليف الجماعي، واللغة المسرحية، فذكر أن هناك ندرة في وجود النصوص المسرحية المحلية، كما تصاعدت ظاهرة الاقتباس والترجمة من المسرح العالمي، ورأى أن طريقة التأليف الجماعي ربما تكون الحل الموفق لهذه المعضلة الفنية، فمن أهم وأبرز القضايا المطروحة أزمة النص المسرحي المحلي، وشدد الباحث على ضرورة إيجاد حل للحد من هذه الأزمة التي اسمها النص المسرحي، وأكد على أن تعمل وزارة الثقافة الجزائرية على عقد ملتقى كل سنة يتم فيه دعوة الكتاب، والنقاد، ورجال المسرح، وتناقش فيه جملة من القضايا بجدية، ومن أبرز القضايا التي رأى المؤلف أنها جديرة بالمناقشة والتحليل مشكلة الكاتب المسرحي ومشكلة التشجيع، الكاتب المسرحي لا يولد عبقريا، إعطاء كل عمل مسرحي حقه من الدراسة، نقد الأعمال المسرحية التي تدخل المسابقات على صفحات الجرائد والمجلات مع نشر النص المنقود، إنشاء لجان التحكيم من أصحاب الاختصاص والنقاد المختصين في شؤون المسرح، تقديم الأعمال المسرحية التي تجد فيها اللجنة أن بإمكان كتّابها التطور، طبع النصوص المسرحية المكتوبة محليا وتشجيع حركة الترجمة من التراث المسرحي العالمي ونشر النصوص المترجمة، وكذا تشجيع الاتجاه إلى الكتابة المسرحية.
ق.ث/ زينـة.ب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى