أخبار عاجلةأهم الأخباردولي

الأستاذ الدكتور رشيد ميموني: كورونا تؤذن بنهاية العولمة والنيوليبرالية  

يعيش البروفيسور رشيد ميموني أستاذ علم الاجتماع بجامعة الجزائر 2، يوميات الحجر الصحي على أحر من الجمر، وهو الذي يظل متنقلا بين الجامعة ومراكز البحث، وهو الذي يرى في المكتبة الوطنية الجزائرية “مرفأ سلام” للذين لا يزال لديهم الكتاب مصدرا للعلم والمعرفة وحضور الندوات وكذا الحوارات وفتح النقاش مع الطلبة ورواد المكتبة في شتى مناحي الحياة  الفكرية والأدبية.
خليل عدة
في هذا الحوار يحدثنا ميموني عن رؤيته لوباء كورونا وما انجر عنه وفلسفته في مواجهة الوضعية الجديدة، وأحاديث أخرى.
-كيف يواجه الأستاذ ميموني هذه الجائحة ؟ وما هي فلسفة في مقاومتها والتكيف معها ؟
في البداية، أتقدم بأطيب تمنياتي بالصحة والرخاء لقراء جريدة “الجزائر الجديدة” المخلصين وأنا مثل كل الجزائريين كنت قلقا من هذا الوباء وخصوصا من عدم القدرة على التنبؤ بتطوره في مواجهة معلومات متناقضة حول انتقال الفيروس، كوفيد -19، وسائل الوقاية المستحدثة لمواجهته (الأقنعة والقفازات …) التي كانت ليست متاحة للجميع، وكذلك من خلال سرعة انتشار المرض في العالم أجمع وفي بلدي الجزائر.
لقد عاينت عدة أنواع من ردود الفعل تتراوح بين الذعر إلى الإهمال واللامبالاة وحتى السخرية كان الحجر الصحي بولاية البليدة بمثابة تحذير خطير. وبالنسبة لي ومع وجود العديد من الأنشطة الجامعية لم أكن مستعدا للحجر الصحي المفروض ورأيت بعض العواقب على أطفالي وعائلتي. بالنظر إلى عبء واجباتي وجدت توازنًا بين العديد من الأنشطة التي تم إيقافها قسرا، على سبيل المثال انتقالي بانتظام إلى المكتبة الوطنية الجزائرية بالحامة. لقد فكرت في الوضع وبدأت في الالتفات إلى مكتبتي الخاصة في المنزل، وكان أصعبها ليس تصنيف الكتب، بل بشكل خاص، الملفات الموضوعة والمتراكمة لفترة طويلة والتي كان من الضروري أرشفتها، وفعلا باشرت اهتمامي بها والعمل لا يزال متواصلا لغاية الساعة.
وللعلم وبصفتي عالم اجتماع، فإن مجال اهتماماتي لفهم الواقع الاجتماعي واسع للغاية، يمسح ويشمل، الفلسفة الاجتماعية والمجتمع والثقافة والدين والاقتصاد والسياسة الوطنية والدولية وعلم النفس …الخ . ومن خلال جملة المعلومات، كتب، تحليلات، أقوم على إثرها بوضع حوصلة جزئية، لأنني لا أستطيع أن أتفهم وأحيط  بكل الحقيقة في تعقيدها المتغير. ومع ذلك، أعتقد أنني  وفقت وتوصلت إلى جمع الكثير من المستندات التي لم أتمكن من استغلالها واستخدامها جميعًا، طالما أن التغييرات تجعل بعض المواضيع مما قد عفا عنها  الزمن، وبناء عليه لقد اتخذت قرارًا بترشيد جهودي وتكريس نفسي لمواضيع معينة.
لقد واجهت بعض الصعوبات في البداية للتكيف مع الحجر الصحي خاصة وأن أطفالي كانوا صارمين ولا يريدون مني مغادرة البيت إلا إذا لزم الأمر، مم فتح بيننا ببعض المناقشات البينية داخل الأسرة نفسها، ولكن كل منهم سار بطريقته الخاصة نحو عمله. وفي مجال التدريس بالجامعة، طلبت منا الجامعة وضع دوراتنا التكوينية على الإنترنت على منصة إلكترونية، وهذا أصعب بكثير من الدورات العادية وجهاً لوجه حيث غالبًا ما تتم كتابة الدورات يدويًا بمحاور وملاحظات ولعبة الأسئلة والأجوبة. الآن ووفق المنصة الالكترونية يتطلب الأمر منا  أن نعد المواد التكوينية جيدًا، ونكتبها ونضع المراجع ونوضح بعض النقاط لأننا لسنا في حضور الطلاب. في هذا الفصل الدراسي الثاني لدي 4 دروس أساسية، بما في ذلك مقياسين جديدتين. الميزة هي أنها تجبرنا على كتابة دروسنا وترك أثر لها، وهذا يسمح لنا بإصلاح المنهجية البيداغوجية وتحديث وتحيين ممارسات بعض المدرسين، الذين لا يتولون ويتحملون مهامهم بعناية حيث دروسهم هي هياكل، أو يتم تناولها بالكامل من مصادر أخرى دون ذكرها، هي الاستفادة من نظام الريع ومقر العمل النهائي القار، دون الاعتماد على طريق المكافآت لمن هم أحسن،  بينما  تجد أنه في الخارج عقود العمل مؤقتة والمنافسة شرسة. بل أن هناك بعض الأساتذة الجزائريين لا يستخدمون الكمبيوتر حتى أن أحد المدرسين كتب سطرين “أيها الطلاب، قم بإعداد عروضك التقديمية كما قيل لي أن أقوم به خلال الدورة قبل الحجز” بدون تعليقات. وحاليا دعيت لأعمل ضمن مجموعة للتفكير حول الجامعة.
-هل الوضع الحالي هو فرصة مواتية للإبداع والكتابة وفرصة التفكير والحديث عن الذات ؟
في الواقع ، لدي بعض المقالات هي ضمن ورشة تتعلق بمحاضرات قدمتها شفويا خلال عدد من المؤتمرات أو الموضوعات ذات الأهمية القصوى وحتى طلبات المساهمة في كتب جماعية، وأؤكد أنني كنت أشعر بالإحباط لأنني لم أستطع كتابتها سابقا وقد سمح لي الحجر الصحي باسترجاعها.
بالطبع المرحلة الحالية تجعلنا نسأل أنفسنا جزئيًا عن دقة وأهمية دروسنا وتوقيتها، كيف نعيد تنظيم مشاريعنا الشخصية؟ نساهم في التفكير الجماعي؟ وما هي اتجاهات تطور المجتمع الجزائري، وبروز وظهور حوكمة سياسية جديدة، وتوفير شروط إجماع وتوافق بين القوى والمكونات المختلفة للخروج من الأزمة. البحث عن الأنموذج الجديد للتنمية الاقتصادية والسياسة الاجتماعية في ظل ندرة الموارد وامتداد وتوسع دائرة عدم الاستقرار وخاصة تفشي البطالة بين الشباب، القضايا المتعلقة بالهوية والعولمة، موثوقية المعلومات خاصة مع الشبكات الاجتماعية وحرية التعبير، الاعتماد المتزايد على الهواتف الذكية وإدمان الألعاب والهشاشة النفسية للطفولة والمراهق.
-كيف يرى الأستاذ ميموني سيرورة العالم بعد كورونا ؟
بالطبع ، عندما يكون لدي الوقت أتابع وأقرا كثيرا أراء  المتخصصين من أجل تكوين رأي.
يعتقد معظم المفكرين والفلاسفة والاقتصاديين أن هذه هي نهاية نموذج العولمة والنيوليبرالية التي هي بدون روح قائمة على الغرض الوحيد للربح المستمر، الأمر الذي يجب أن يتعدل، على الرغم من أن ميزان القوى الجيوسياسية والاقتصادية ومكان ووضعية المؤسسات المتعددة الأطراف لم يستقر بعد. سيكون هناك حاجة إلى عالم أكثر ترابطًا “جائزة نوبل في الاقتصاد Stiglitz” . ويتحدث إدغارد مورين عن “وقت الريبة وعدم اليقين”  Maffesoli “نهاية العالم” أو “نهاية التقدمية وما بعد الحداثة. “بوريس Cyrulnik يذكر مفهومه” المرونة “.
رجل الحداثة المعتمد على الاستغلال المحموم للطبيعة تجاوز قوانينها الفيزيائية، وتلاعب بقواعدها البيولوجية (الاستنساخ)، والأخلاقي (استغلال الثروة الطبيعية غير المتجددة، والكوارث البيئية …) والاجتماعية (الزيجات غير الطبيعية …) وقد تجاوز وتعدى بكبريائه واعتداده المفرط بنفسه صلاحيته، واليوم الطبيعة تعيده مكانه كجزء من هذا الكون وللمشاركة فيه بطريقة أخرى. عدم قدرة الأنظمة الحديثة على حماية البشر، عدم كفاية الأنظمة التي تتطلب المزيد من التواضع من البشر.
تم تناول نماذج المجتمع النظام الليبرالي (في الولايات المتحدة مثلا) القائم على الأداء والربح لا يمكن أن يساعد الفئات الاجتماعية الفقيرة على الحفاظ على وظائفهم غير المستقرة أو الاستفادة من التغطية الاجتماعية والصحية وقد فهمت الدول الآسيوية الأزمة ومنضبطة وموحدة بشكل أفضل. هذا مهم لتحليل نموذج مجتمعنا. الجدل حول حق الدولة في حالة نشوب أزمة تفرض الحجر الصحي على حساب الحريات الفردية للمواطنين.
خلق الحجر الصحي نزاعات داخل العائلات وزيادة معدلات الطلاق والعنف والاكتئاب والانتحار. أثار الذعر المعمم خطابات دينية في نهاية العالم والتي يجب ترشيدها. بالنسبة لمجتمعاتنا في الخارج، على الرغم من انتشار ظاهرة “الاسلاموفوبيا” كراهية الإسلام المحيطة فإن حقيقة أن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) كان أول من أمر بالحجر الاجتماعي الضروري وقواعد النظافة وهذا أمام دهشة الغربيين. بالإضافة إلى تفاني الجالية المسلمة في الإعجاب جمعيات طبية لتقديم المساعدة الطبية والاجتماعية لغير المسلمين المرضى والمعدمين.
كل هذه وغيرها من القضايا الداخلية تقدم وتعطي عناصر  للتفكير للحكومات والمثقفين لتشكيل سياساتنا في مجالات مختلفة وتعزيز التماسك الوطني والتضامن الاجتماعي والأجيال.
رشيد ميموني في سطور
هو تشكيلي وخطاط معاصر يعنى بالحروفيات وعازف موسيقى أيضا، تجود أنامله بلوحات حروفية تستلطفها العين، ويعزف أجمل الألحان تستسيغها الأذن، مستعيدا بذلك مجد عديد القطع الشهيرة على غرار الفيروزيات، عبر مجموعة آلاته النفخية وعلى رأسها الساكسفون.  في هذا الحوار القصير يصرح مبدع عديد الجداريات وواضع ديكور فيلم “الشتاء الأخير” برؤيته الخاصة لفيروس كورونا وما أنجر عنه من عزلة إضطرارية. حيث يرى ويؤكد أن الحجر الصحي لم يكن مثبطا له بقدر ما كان محفزا وملفتا لاستغلال وقته بعقلانية وفاعلية، هو الآن بصدد إتمام اللوحة العاشرة منذ بداية الحجر الصحي، وكل لوحة تأخذ من الوقت ما شاء الله من الزمن الفني عصارة جهد و نتيجة فيض وجداني و إلهام روحي. وحال الفراغ من رسم اللوحة يوقع فناننا  خيثر باسمه كما هو مشتهر ويلحق به أسفله “الحجر الصحي”، تأريخا لمرحلة قلقلة من تاريخ الانسان والأرض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى